باب لأولي الهمم
بقلم/ فاطمة البلوشي
أيها المُسبِّح قف!!
أيها المسبح وأنت تسبح الله قف وتأمل في هذه الآية العظيمة: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}(الإسراء: 44).
تأمل هذه الحقيقة الكونية العظيمة التي تغافل عنها أُناس ، وجهِلها آخرون ، ألا وهي حقيقة تسبيح كل العوالم وما في الوجود من الملائكة وصالح الأناسي والجن ، بل حتى الجمادات وكل الأحياء غير المكلفة ، حتى الظواهر الكونية تسبح الله وتمجده وتقدسه ليلا ونهاراً دون توقف ولا فتور.
هلا استشعرت هذه الحقيقة وأنت تسبح الله ، وعلمت أن الوجود كله يسبح معك فشعرت بذلك الإحساس الرهيب الذي يملا القلب خشية والوجدان رهبة ويزيد الإيمان والتقوى ، بأن تعلم هذه الحقيقة وتستشعرها وتتفكر بآيات الله وتتدبرها فتسموا بعقلك وفكرك فلا تصبح من الغافلين اللاهيين ، وفي ذلك قال الشيخ أبو بكر الجزائري في تفسير قوله تعالى " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " أخبر الله أنه ما من شئ من المخلوقات إلا ويسبح بحمده بلسان قاله وحاله معاً فيقول سبحان الله وبحمده وقوله " ولكن لا تفقهون تسبيحهم " لاختلاف الألسنة واللغات ...فكل المخلوقات في العوالم كلها تسبح الله." أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير".
فهل تفكرنا لكلمة السموات فكل الكائنات فيه تلهج بالتسبيح لرب الأرباب وماذا في السماء؟
فيه خلق عظيم من الملائكة والشمس والقمر والكواكب المنيرة والمجرات المتسعة والنجوم المشرقة والرياح المسخرة والسحاب المسير وغيرها الكثير.
فالملائكة خلق عظيم، وعددهم كثير لا يعد ولا يحصى، خلقهم الله من النور، وطبعهم على الخير، وجبلهم على الطاعة، والاستمرار في العبادة، فلذا هم لا يعصون الله بكل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، قال صلى الله عليه وسلم: " اطت السماء وحق لها أن تئط ، ما من موضع أربع أصابع إلا عليه ملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى " رواه احمد والترمذي وابن ماجه وصححه الذهبي، فإذا جاء يوم القيامة رفع الملك رأسه وقال سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكيف يستعجب تسبيح هؤلاء.
والطير بكل أنواعه وهو في جو السماء يسبح وقد ورد ذكر تسبيح الطير في القرآن، والرعد يسبح له تسبيحاً يليق بجلاله ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته "، وما في الأرض يسبح الله تعالى من البحار الواسعة ، والأنهار الجارية ، والجبال الشاهقة ، والسهول المنبسطة ، والأحياء المائية ، والحيوانات البرية والأشجار الظليلة والبحر وما فيه يسبح لله تعالى..وهل تفكرت للحظة ماذا يوجد في البحر؟!
قال ابن القيم: ( وإذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها حتى إن فيها حيواناً أمثال الجبال لا يقوم له شئ ، حتى إن فيه من الحيوانات ما يُرى ظهورها فيظن أنها جزيرة فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنه حيوان!.
وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله، حتى الإنسان والفرس والبعير وأصنافها، وفيه أجناس لا يعهد لها نظير في البر أصلاً ) "مفتاح دار السعادة".
ومع كل هذا التسبيح من حول الإنسان إلا أن بعض المكلفين من الجن والإنس حرم ذلك، فهلا توقف للحظات وتفكر في هذه الآية ليعلم ما هو بالنسبة لعظم هذا الكون؟ ولماذا رضي أن يكون مع الخاسرين؟